ليلة رفع سيف أصابعه في وجه التاريخ

[post-views]
12
ليلة رفع سيف أصابعه في وجه التاريخ .. لا تسمحوا لهم بتزييف الوعي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خمس سنوات تمر الليلة على ليلة سيف الإسلام الأخيرة ، التي انتظره فيها الليبيون لينطق بلغة السلام فنطق بقعقعة السلاح ، وأنهى بلسانه المهدد وأصابعه المتوعدة مسيرة الوعد الذي تعلق به الناس ست سنين من الأمل والرجاء والانتظار ، ليبدأ مسار الوعيد الذي سقط معه سيف والنظام والدولة بعد ستة أشهر من الحديد والنار والدمار.

قال الكثيرون الكثير حول خطاب سيف التلفزيوني الأخير ، قال بعض مؤيديه الانتهازيين الذين أكلوه لحماً طرياً ورموه عظماً رميماً مثل محمد عبدالمطلب الهوني ، أن الخطاب الأصلي كان يحمل وعود الخير وبوادر الإصلاح ونزع فتيل الغضب ، لكن ما أن حمله فتى الغد الغِر الذي ضاع بين العلمانيين اللائكيين وبين المراوغين الإسلامويين ، إلى أبيه حتى رماه في وجهه ، وأملاه خطاباً عنيفاً ألزمه تسجيله عند علي الكيلاني وعرضه عليه قبل بثه على الملأ ، وهو ما حدث وما جعل الخطاب يتأخر رغم التنويه المستمر عنه وانتظار كثير من المواطنين له .

تلك الليلة وقبل أن يتم بث خطاب الوعيد للوريث الموعود كان الغضب قد بلغ مداه ، وكانت مدن كثيرة قد خرجت تماماً عن سيطرة السلطة أو تكاد ، من الزنتان إلى الزاوية إلى مصراتة وصولاً إلى بنغازي ومدن برقة الأخرى ، وكانت طرابلس تعيش انتفاضتها وتقدم ضحاياها من تاجوراء عبر طريق الشط حتى الساحة الخضراء مروراً بفشلوم وميزران وكل أحيائها ، وكان الارتباك في محيط باب العزيزية قد بلغ مداه وذهب ضحيته سعيد راشد أحد القيادات الأمنية والثورية ، وأذكر أنني كنت في مصراتة ليلتها وكانت المدينة هادئة بعد انسحاب قوى الأمن المفاجيء ، فتلقيت عند العاشرة ليلاً اتصالاً هاتفياً من هيئة الإذاعة البريطانية يسألني عن حقيقة وقوع محاولة انقلابية في طرابلس ، وهو ما لم أكن أعلمه وما ثبت بعدها أنه غير صحيح ، وربما نقل لهم بعض مصادرهم أخبار إطلاق النار العنيف حول مقر القيادة ، وكان الإعلام الأجنبي خاصة محطات الجزيرة والعربية والحرة يخوض حرباً مفتوحة على النظام الذي انتقل من مرحلة الرضى التام عنه حتى أسبوع مضى إلى حالة الغضب عليه وشيطنته وتأثيمه منذ أربعة أيام ، وهو ما لم يفهمه ويستوعبه النظام ، بل وزاده شططاً وعناداً على الطريقة الليبية الأصيلة التي تظل تنكر الغيم حتى يداهمها السيل ، وتتنكر للواقع وللممكن حيث لا يسعفها الخيال ولا ينقذها المستحيل .

مهما يكن خطاب سيف الإسلام ليلتها ، ومهما يكن الموقف منه أمس أو اليوم فقد جاء في الوقت الضائع ، الوقت الذي أضاعه هو وقبله أضاعه أبوه ، وأذكر وأنا شاهد عيان على حوادث ومواقف كثيرة سأرويها في كتاب ، أنني صباح يوم السبت 15 يناير وبعد ليلة هروب زين العابدين بن علي توجهت إلى مكتب المهندس صالح عبدالسلام المساعد المقرب لسيف ، سائلاً إياه أين سيف ، فقال لي إنه في الخارج ، قلت له إن عندي له رسالة مختصرة هل يستطيع أن يوصلها إليه ، قال نعم اليوم تكون عنده ، أخذت منه ورقة كتبت عليها بالنص {{مهندس سيف الإسلام نحن في ربع الساعة الأخيرة كيف ستتصرفون}} ، استلمها صالح ليبلغني بعد نحو ساعتين أنها وصلته ، وقال إنه سيعود قريباً ويريد أن يراني وهذا ما لم يحدث ، فعندما عاد سيف متأخراً كنت قد التحقت بالانتفاضة عن قناعة ويقين وأصبحت في الضفة الأخرى ، ولست أدري إن كان سيف فهم الرسالة كما أقصدها أم أنه لم يتدبرها ، ربما لأن العبارة لم تمر عليه ، وهي عبارة سبق وقالتها الثائرة الفرنسية (حنة أرندت) في كتابها المعروف {في الثورة} تقول :- تظل الدكتاتورية في عنفوانها حتى ربع الساعة الأخير حين يداهمها الفناء دون أن تشعر.

تأخر الليبيون عن الانتفاض ، وتأخر معمر القذافي عن الفهم ، وتأخر سيف عن الفعل ، فكان ما كان ، وعندما وقعت انتفاضة فبراير 2011 كان الزمان قد دار دورة كاملة ، ليس حول نفسه بل في الاتجاه نحو التغيير وفق قوانين ومعادلات كونية أزلية أبدية ، لا يقرأها المستبدون ، ولا يعرفها الجاهلون ، ولا يتدبرها المستكبرون .

اليوم .. والوريث الضائع للسلطان الآفل يقبع في غياهب السجن ، وقد وقع كثير مما توقعه أو هدد به ، لا يمكن أن نسمح بتزييف الوعي وجلد الذات ، ليتم تقديم من أشعل الحريق منقذاً وإطفائياً ، وتحويل الشعب الضحية إلى جلاد عليه أن يعتذر للقاتل لأنه لم يستطع أن يكون القتيل المطيع لصاحب القطيع .


——————————————————————————————————————————–

الكاتب الليبي: محمد عمر بعيو

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.